السيد كمال الحيدري

95

مفهوم الشفاعة في القرآن

فإذا كان الرفع عدلًا فوضعه أوّلًا كان ظلماً ، وهو خلاف قوله تعالى : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّام لِلْعَبِيدِ « 1 » . وإن كان الرفع ظلماً فكيف يطلبه الملائكة والأنبياء والمقرّبون السابقون وهم كما وصفهم الله تعالى : بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ « 2 » ؟ وهل طلبهم هذا إلّا جهل لا تجوز نسبته إلى الأنبياء عليهم السلام ؟ إنّ تمامية هذا الإشكال تعني أنّ الشفاعة محالة ، غير أنّها محالة وقوعاً لا ذاتاً ، فهي لا تصدر عنه سبحانه وتعالى ؛ لاستلزامها إمّا صدور الظلم منه تعالى ، أو نسبة الجهل إلى الأنبياء عليهم السلام وكلاهما لا يمكن تعقّل وقوعه خارجاً . جوابه وللإجابة على هذا الإشكال نقول : إنّ النسبة بين الظلم والعدل لو كانت نسبة التناقض كالوجود والعدم أو التضادّ كما في الأبيض والأسود بحيث دار الأمر بين الظلم والعدل فحسب فإنّ الإشكال المطروح تامّ ، ولكن الأمر ليس كذلك ، فإنّ القضية هنا ليست هي إمّا هذا أو ذاك ، بل هناك شقّ ثالث في البين ، لأنّ وضع العقاب على

--> ( 1 ) فصّلت : 46 . ( 2 ) الأنبياء : 26 - 27 .